رؤية لبنانية
نظرة في عالم الأدب والسياسة
حديث الشجر

وكأنّ هذه الحديقة ما زالت تحمل أنفاسها رغم مرور أكثر من سنتين، ما زال ربيعها الأخضر محمّلاً بالذكريات، وتلك الأشجار الباسقة التي أحاطت بسياجها تظلّلها ما زالت تبادلها النظرات، والأحاديث:
 

لقد كنت الشاهد عليك لثلاثة وثلاثين يوماً، تنقّلت خلالهم هنا، وقضيت فيهم الكثير من الوقت تحت ظلالي، كنت أراقبك وأنت تحملين دفترك الذي طالما انسكبت عليه الكلمات وكأنك أردت تدوين كل اللحظات القاسية التي اجتاحت تلك الأيام، حيث كان الخوف من المجهول الرفيق الدائم لا يخفّف من سطوة وجوده سوى الإرتباط الوثيق بالله، والتوكّل عليه.

 

هذا الرُّواق، هذه الشرفة لكم اجتمع عليهم من الأحبة والأقارب، يتسامرون ويتواسون، ويتداولون بآخر الأخبار التي كانت تنقل مباشرة أنباء تلك الحرب الشعواء التي شنتها إسرائيل على المقاومة وأهلها، وكم من مرة انقطعت تلك الأحاديث فجأة عند سماع هدير الطائرات، ودوي انفجارات صواريخها التي كانت تسمع في أغلب الأحيان بكل وضوح في تلك النواحي من حولهم وهي تقترب حيناً وتتباعد حيناً آخر.

 

ما زلت أشهد على تلك الدموع التي طالما ترقرقت في عينيك وأنت تسمعين عن كل تلك البنايات التي تهاوت بفعل التجبر الصهيوني الهمجي، وفي كل يوم تتساءلين هل سلم منزلنا؟
 

استمعت إلى دقّات قلبك وهي تتنازل عن كل ما فيه بكل رضا، لا يهم المنزل، لا يهم الأثاث، لا تهم الملابس، كل شيء يمكن أن يُعوّض، لكن هذه الدموع تنحدر وتسيل عندما يصل الأمر إلى إمكانية فقدان كل تلك الكتب والمجلات التي كانت تملأ المكتبة، وهي جنى سنوات طوال، كانت تشعر بأنها جزء منها، وربما جزء لا يعوّض!

 

لكن الغصة تزداد والحرقة تكبر عندما تتذكر دفاتر مذكراتها، وأشياء عزيزة على قلبها ما زالت تحتفظ بها منذ الصغر، كلمات كتبت من فرح ووجع أيامها التي انطوت ولن تعود...
 

كثيرة هي الدفاتر التي خلّفتها وراءها في ذلك المنزل الذي بات يتهدده خطر التهديم كغيره من المنازل المقاومة، وكثيرة هي الذكريات الحميمة التي يحتضنها، الصور والذكريات... وأعمال كتابية استغرقت منها سنين...

 

ما زلت أشهد على الرعب القاطن في تلك العينين من فقدان كل ذلك، فهو ليس له ثمن يعادله إلا الصمود والصبر على الأذى من ذلك العدو البائس، عدو الإنسان والإنسانية، عدو الفكر والحجر.

 

عزيزتي، رغم حلاوة النصر ما زلت احتفظ لك بتلك الذكريات، أتبادلها معك كلما أتيت إلى هنا، وجلست تحت فيء أوراقي تتظلّلينها، فنستذكر معاً كل تلك الأشجان التي تشحذ الهمم وتقوي الإيمان، وتعلمنا أن الصبر هو طريق الإنتصار.

 ماجدة ريا

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية