رؤية لبنانية
نظرة في عالم الأدب والسياسة
ضوء الشمس

وقفت أمام المرآة في غرفتها، تنظر في وجهها بوجل، تتأمّل قسماته الطفولية، وعيناها اللتان تتقدان كجمرتين كشف عنهما الرماد فجأة، هل بكت إلى هذا الحد!

جاءها صوت أمها من خلفها :" هه.. ماذا قلت يا ابنتي؟"

التفتت نحو أمها بحركة عصبية وهي تجيب: " قلت لا، لا يا أمي، لست موافقة"

" إنه ابن عمّك، وفي هذا ضمانة لك، كما أنه شاب جيد، لديه شقّة وعمل و...."

بات صوت أمها وكأنه آت من البعيد، لم تعد تسمع منه شيئاً، إذ ذهبت بمخيّلتها إلى نهاية العام الدراسي المنصرم، إنها الشهادة التي تؤهّلهم لدخول الثانوية، رأت رفيقاتها وهنّ يجلسن على أحد مقاعد الملعب وكل تعبّر عن رغبتها، صبحية تقول: "ماذا تنتظر الواحدة منا سوى عريس يفرّح قلبها ويبني أحلامها؟ أنا بالنسبة لي سأتزوج في هذا الصيف، وسأكون سعيدة بذلك"

توافقها سعاد: "معك حق، فأنا أيضاً خطبت، وسنتزوج قريباً"

أما عالية فقد قالت بفرح: "وأنا سأدعوكم قريباً إلى خطبتي. وأنت يا سوسن ماذا عنك؟"

كانت سوسن تراقبهم بذهول، تستغرب أن يكون هاجسهن الوحيد هو الزواج وفي مثل هذا العمر، وكأن الواحدة منهن تبلغ بذلك قمة أحلامها، رأت فيهن فراشات يعشقن الضوء فيرمين بأنفسهن أمام أول مصباح، وعندما يقتربن منه سيحترقن.
 

أما هي فقد كانت تعشق الضوء، لكن ليس أي ضوء، فهي تسعى إلى ضوء الشمس، حيث تحلّق فيه بحرّية فتستدفئ بحرارتها، وتأخذ طريقها على طول إشعاعاتها، وتطير في فضاءاتها ولا تحترق. ابتسمت لرفيقاتها ابتسامة باهتة وهي تجيب: "أنا سأتابع تعليمي، لا أفكر في هذا الأمر الآن"...

واستذكرت صورة ذلك الشاب الوسيم الذي استوقفها اثناء طريقها إلى المدرسة، وهو يرجو منها الموافقة كي يأتي برفقة أهله ليخطبها، ولهجتها التحذيرية

" أياك أن تقدم على ذلك، فأنا لن أفكّر بهذا الموضوع قبل زمن طويل..."
 

وعاد صوت أمها يطرق آذانها من جديد بنبرة أقوى: "سوسن... غيّري رأيك يا ابنتي..."

" قلت لا."

كان الأب قد وصل إلى الباب ليستطلع الأمر وسمع الـ "لا" بأذنيه، ورأى الأم محتارة في أمرها، ماذا تصنع؟ وأخوه في الخارج مع زوجته ينتظران الجواب. وإذا بصوته يأتي هادئاً: "دعيها على رأيها" فقالت الأم بارتباك : "وماذا عسانا نقول لهم؟!"

"اتركي الأمر لي.."

"سيغضبون؟..."

"لا تخافي سأقول لهم، إذا كان هناك نصيب فلتكن لأحمد، فهو قريب من عمرها، هو يتعلم وهي أيضاً..."

" كما ترى"

قالت ذلك وهي ترمق ابنتها بنظرات غريبة، بينما علت الفرحة وجه سوسن وهي تقول في سرها: "المهم أن يزاح هذا الموضوع الآن، أما المستقبل فللمستقبل!..."
 

شكرت الله لأن أباها من محبّي العلم، وأنه وجد في ذلك عذراً ومبرراً لاستبعاد موضوع الزواج في هذه المرحلة، هذا الأمر أرسى في نفسها الكثير من الإرتياح، رغم أن ربط مصيرها بأحمد لم يرقها، كما أنها تعرف أنه لن يروق له، وكانت تتآكلها الوساوس

" ليس لهم أن يقرّروا مصيرنا منذ الآن! لكن لا بأس، انتهينا من هذه المواجهة وإلى أن يحين موعد الأخرى يحلّها الحلاّل!".

 

لم تمضِ فترة وجيزة حتى خطبوا لابن عمها عروساً جميلة من القرية المجاورة، وكانت سوسن أكثر الفرحين بهذه الخطبة، باركت لهما بحرارة من تخلّص من حمل ثقيل، حملت قلبها البارد وتوجّهت به نحو غموض الأيام القادمة.

 

أحمد... رفيقها، يكبرها بعام واحد، كانا صديقين، قريبين من بعضهما البعض، يحملان أحلامهما ويطيران بها في عالم غير محدود، نظرتهما لكثير من الأمور كانت مختلفة عن كل ما يحيط بهما لأنها كانت تخترق عمق الجذور وتبحث عن أسرار هذا الكون، فحلّقا في عالمهما الواسع بكل انطلاق وحرّية.

 كان بثقافته أكبر من أبناء جيله، متميّزاً قلباً وقالباً، ومنذ نعومة أظافره مغرماً بقراءة القصص، والمجلاّت والجرائد، فكان يصرف معظم مدّخراته على هذه الأمور، وهي لم تكن قليلة.

بطول باله وأناته، وتفوّقه كان يقصده كل من في الحي لطلب المساعدة، حتى سوسن، كلما استعصت عليها مسألة كانت تقصده، فترتاح لشرحه وأسلوبه، والأغرب من ذلك أنها كانت تستشيره بمعظم أمور حياتها  وعلاقاتها مع الأصدقاء والناس مرتاحة لسعة أفقه واطلاعه،  حتى باتت تطلب مساعدته لحل ما يعترضها من عقبات، وأصبحت صداقتهما متينة جداً، لكن في قرارة نفسها كانت تحاول دائماً الهروب من واقع أرادوا أن يقرروه لهما.

 

لم تكن تشعر بوقع الأيام، وهي تنتقل من نجاح إلى آخر، ولم يرهبها أن زميلات لها من مثل سنها أصبح لديهن أولاد، على العكس، كانت تشعر بالإشفاق على حالهن، لأنها كانت تنظر إلى المرأة القادرة، التي تستطيع أن تكون هي ذاتها، وليس ما يريده لها الآخرون!

وهذا يحتاج إلى تعب وجهد ودراسة وتخطيط.

ساعدها كثيراً أن أباها فرح بتوجّهها، فسهّل عليها الطريق، وبقيت مقصداً للخطّاب، لكنها لم تكن ترى سوى طريقها الذي رسمته بدقة وعناية.

 

بقيت علاقتها مع أحمد ضمن أطر الصداقة، وكانت الأيام التي تمر تباعد فيما بينهما، كل منهما يريد أن يثبت لأهله أنه قادر على أن يختار شريك حياته، وأن ما قرّراه عنهما في عهد سابق، لن يكون قانوناً، وكلاهما بات يدرك مكانته عند أهله التي تؤهله لأن يرضوا بقراره. أحدٌ لم يعد يتحدّث في الموضوع.

انتهت المرحلة الثانوية بسلام، وانتقلت إلى الجامعة، وللمصادفة جمعتهما الكلّية ذاتها، "كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية"، فهو مغرم بدراسة العلوم السياسية وهي معجبة بدراسة الحقوق، فكان الطريق مشتركاً لكلّية واحدة ضمّت هذين الفرعين.

بذور الصداقة المتينة كان لا بد لها أن تظهر من جديد، وإن بحذر. كانت تشعر بالارتياح والسعادة لوجوده، والحاجة إلى استشارته في أمور كثيرة كما في السابق وأكثر لثقتها العميقة به، بل كانت تسعد وتفتخر لوجوده إلى جانبها.
 

ذات يوم كانت تجلس مع إحدى صديقاتها في كافيتريا الجامعة، تفاجأت بسؤالها لها:

"من هو هذا الشاب الذي كنت تتحدّثين إليه؟"

" إنه أحمد قريبي"

" يا له من شاب وسيم ومميّز! لو كان قريبي لما تركته يفلت من يدي أبداً"

لم تجبها، ابتسمت لها برفق ونقلت الحديث إلى موضوع آخر.

ربما هذا الأمر يدغدغ تطلّعاتها، ويداعب أحلامها، ويكمن في لا وعيها الذي يصعب على الآخرين ولوجه حتى تلك الصديقة المقرّبة منها.

وبات الشعور بحاجتها إلى شخص يشعرها بالأمان والحب الذي تحتاجه يداهمها أكثر وأكثر، وكانت تشعر أن رحلة الإستقرار يجب أن تجد ركيزتها التي تبحث عنها، ومع ذلك بقي الغموض يلفّ كيانها، تحاول أن تكشفه من خلال النظر إلى أعماقها، والإبحار في مكامنها.
 

ومن حيث لا تدري كانت تستعرض كل الذين تقدموا لخطبتها وهم كثر ومن مستويات مختلفة، لكن أحداً منهم لم يرق لها ، ولم تجد في أي منهم من يرضي طموحها، رغم أن كلّهم جيدون سيما من حيث الوسامة والقدرة على تأمين العيش الكريم، فهل هو الغرور؟ بالتأكيد لا، فقد كانت غاية في التواضع رغم كل تلك الصفات التي ميّزتها وجعلت الكثيرين يهتمون بها.

ربما السبب هو تلك الميزة الخاصة التي جعلتها تحدّد ماذا تريد، وتحدّد الميّزات التي وضعتها في الشريك وهي ليست مستحيلة التحقيق ابداً!

لم تكن تهتم للثراء ولا للمال ولا للقصور، بل أكثر ما كان يهمّها هو أن تجد رجلاً يفهم ما تريد، يستوعب أفكارها، ويفهم كنه شخصيتها حتى يتكاملا، لأنها تعتبر بأن هذا الأختيار هو الأساس الذي سيبنى عليه أي شيء، فإن كان متيناً تحمّل البناء العالي والشاهق، وإن لم يكن كذلك، فإنه أما يكون البناء عليه عادياً، أو ربما يدمّر من أول إعصار.

 

بدأت صورة أحمد تستوقفها كثيراً، فهو يروق لها أكثر من أي شخص قابلته في حياتها، بل أكثر شخص عاش في داخلها، ولعلّ صورته التي تحتل أعماق نفسها لا تسمح لأي أحد آخر بالوصول إلى هناك حيث تربّع على عرش العقل والقلب، ولكن لماذا هذا الضباب الذي يلف تفكيرها به؟ هل لأن الأهل أقاموا منذ البداية ذلك الحاجز بينهما؟ هذا أمر مضى.

وبدأت الأسئلة تتسرب إلى خيالها من حيث لا تدري، كيف يفكّر بي؟ ماذا أعني له؟ أين موقعي من نفسه؟

عادت صداقتهما تتوثّق أكثر فأكثر، ولكن الأمر مختلف الآن، لأن كل منهما أصبح يمتلك الخبرة والنضج الذي يؤهلّه لصنع أي قرار.

 

السنة الثانية من الدراسة على مشارف نهايتها،  الوقت عصراً، النسيم يدغدغ أحلام سوسن الواقفة على شرفة منزلها،السارحة نحو البعيد، أحلامها التي تكبر في صدرها، تحلّق بها نحو البعيد، نحو ضوء الشمس الذي لا ينضب... أحمد في الباب ، ينظر إليها نظرات غريبة، شعرت بأنها تراه لأول مرة، وأن نظراته أعمق من أي وقت مضى، وكأنه يحمل فيهما سراً كبيراً.. تراه ماذا يريد أن يقول؟.

 ربما الأمر لا يحتاج إلى مقدّمات! وكلاهما بات يشعر بما يدور في خلد الآخر، وقف قبالتها، سرح في عينيها طويلاً، سألته:

" ما بك يا أحمد؟ ماذا تريد أن تقول؟"

"هو سؤال واحد أريد الإجابة عليه بصراحة، هل توافقين على الزواج مني؟"

من دون أن تدري، شعّ وجهها بابتسامة الرضا، ضحكت عيناها كما لو أنها ملكت الدنيا، ونفسها تقول نعم هو من أريد.

"أجل..."

" صدّقي لقد بحثت كثيراً، وقلّبت وجوه الفتيات وجهاً وجهاً وبقي وجهك هو الأول والأخير، كنت أرى فيك كل ما أريده في حبيبتي وشريكة عمري ولم أستطع أن أجد ضالتي عند سواك!"

" وأنا لا أكذب عليك لو قلت أن هذا ما حدث معي، لم أشعر يوماً أنني أستطيع أن أحب أي أحد غيرك"

كانت عيناهما تبتسم، وأشرق من نور هذه الإبتسامة فرح عمّ الجميع.

                                                                                         ماجدة ريا

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية